محمد حسين علي الصغير
206
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
المعاجز والبراهين ، وكان حق فرعون والملأ من حوله المطالبة بالبراهين ، وقد جاء موسى بالآيات البينات دليلا على صدق دعواه ، فردت هذه الشبهة . وأما الاعتراض فلإغواء ، الآخرين ، إذ قد يتنبهون أن الشبهة المتقدمة التي أثارها فرعون لا تنسجم مع طبيعة النبوة ، إذ لم يكن موسى طالب ملك ولا مدعي رئاسة ، وإنما هو صاحب رسالة ، فجدد في هذا الضوء اعتراضه الجديد الذي قد يجد آذانا صاغية أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ يعينونه في رسالته ، أو يتابعونه على دعواه ، أو يكثرون قلته ويجتمعون عليه ، وهو اعتراض لا يقوم على أساس ، إذ لم يسبق لنبيّ أن هبطت معه الملائكة لدعم رسالته في الأرض ، لأن ذلك مخالف لطبيعة الفطرة الانسانية ، فالمرسل إليهم بشر ، والرسول بشر ، من سنخ جنسهم ، أما قتال الملائكة في بدر مع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم فليس من هذا الباب ، إذ لم يكن موسى في حرب مع فرعون حتى يرد طلب نصرته بملائكة مردفين كما حصل ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم في قتاله مع المشركين ، والميدان ميدان دعوة لا ميدان حرب . ومع هذا المنطق الذي يفلج فرعون ، ويفند شبهه كافة ، نجده يستحث قومه ويستخفهم بالإطاعة له ، ونجدهم يسرعون إلى ذلك مستجيبين ، غير متكلفين عناء البحث والاستقصاء فيما أثاره فرعون من شبهة تختلف مع وقائع الأمور ، وذلك قوله تعالى : فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 54 ) . وهذه الاستجابة في الإطاعة على الضلال تنبئ عن مدى فسقهم وفجورهم وعدم تثبتهم من حقائق الأشياء ، فلما تأكدت سحنتهم ولم ينفع معهم الانذار ، واستغواهم فرعون بفتنته حق عليهم العذاب : فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ( 55 ) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ ( 56 ) . لقد قوبل جبروت فرعون المتلاشي بجبروت اللّه المتعالي ، فعند الغضب كل الغضب ، انتقم اللّه من الجميع بعذاب الاستئصال عن طريق الاغراق ، فاختفى فرعون وجنوده في لحظة زمنية ، وتلاشى في فجأة تأريخية ، وإذا به والملأ من حوله ، عبرة لمن اعتبر ، وعظة لمن اتعظ ،